قطب الدين الحنفي
186
تاريخ المدينة
والحافظ محيي الدين الطبري وغيرهم . وأما حديث « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . . . » « 1 » فلا دلالة فيه على النهى عن الزيارة بل هو حجة في ذلك ومن جعله دليلا على حرمة الزيارة فقد أعظم الجرأة على اللّه تعالى ورسوله وفيه برهان قاطع على عبارة قائله وقصوه عن ذوق صافي العلم وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستباط والاستدلال . والحديث فيه دليل على استحباب الزيارة من وجهين : الأول : أن موضع قبره صلّى اللّه عليه وسلم أفضل بقاع الأرض وهو صلّى اللّه عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على اللّه تعالى لأنه لم يقسم بحياة أحد غيره وأخذ الميثاق ( ق 234 ) من الأنبياء بالإيمان به وبنصره كما في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ « 2 » الآية وشرفه بفضله على سائر المرسلين وكرمه أن ختم به النبيين ورفع درجته في عليين . فإذا تقرر أنه أفضل المخلوقين وأن تربته أفضل بقاع الأرض استحب شد الرحال إليه إلى تربته بطريق الأولى . الوجه الثاني : أنه استحب شد الرحال إلى مسجد المدينة ولا يتصور من المؤمنين المخلصين انفكاك قصده عنه صلّى اللّه عليه وسلم وكيف يتصور أن المؤمن المعظم قدر النبي صلّى اللّه عليه وسلم يدخل مسجده ويشاهد حجرته ويتحقق أنه يسمع كلامه ثم بعد ذلك يسعه أن لا يقصد الحجرة والقبر ويسلم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا مما لا احتسبه على أحد وكذلك لو قصد زيارة قبره لم ينفك قصده عن قصد المسجد . ومن الدليل عن الزيارة الأحاديث الكثيرة الصحيحة في فضل زيارة الإخوان في اللّه تعالى فزيارة ( ق 235 ) النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولى وأولى .
--> ( 1 ) ورد في صحيح البخاري باب مسجد مكة 1 ، 6 ، والصوم 67 ، والصيد 26 ، وصحيح مسلم باب حج 415 ، 511 ، وباب مناسك 94 ، وسنن الترمذي باب الصلاة 126 . ( 2 ) 81 م آل عمران 3 .